المنطق

الاستنباط والاستقراء

هناك طريقتان للحصول على المعلومات، الاستنباط والاستقراء. باستخدام الاستنباط يمكننا الحصول على معلومات خاصة من معلومة عامة. كل البشر هالكون (معلومة عامة)، عمار من البشر، إذاً عمار هالك (معلومة خاصة بعمار). أما بالاستقراء، نحصل على المعلومة العامة من المعلومة الخاصة. تلك النار أحرقت يدي، إذاً النار (بشكل عام) تحرق.

توج الاستنباط بأنه أفضل طريقة للحصول على المعلومات، بل يقول بعض الفلاسفة إنها الطريقة الوحيدة للحصول على المعلومات. فإذاً كانت المعلومة العامة صحيحة يجب أن يكون ناتج الاستنباط صحيحاً مهما كان ذلك الناتج. لو تمعنا بالرياضيات لوجدنا أنه مبني على الاستنباط. فكل مجال رياضي يبدأ ببديهيات ثم استنباطاً من تلك البديهيات نصل إلى النظريات. مثلاً الهندسة الرياضية لها خمس بديهيات وباستخدام هذه البديهيات مع الاستنباط يمكننا التوصل إلى كل النظريات والحقائق الهندسية. ومع صحة هذه النتيجة إلا أنها ليست بمعلومة جديدة، بمعنى أن حل معادلة معقدة لا يتضمن معلومة جديدة لم تكن موجودة في المعادلة نفسها. إذاً لا يمكن للاستنباط أن يوجد معلومات جديدة.

المشكلة في الاستنباط أنه يعتمد على بديهيات يجب أن تكون صحيحة ليصح كل ما بُني عليها. ولكن من أين نأتي بتلك البديهيات؟ من السهل إيجاد البديهيات في الرياضيات (من أي نقطتين يمكننا إيصالهم بخط مستقيم واحد) ولكن هل من السهل إيجاد البديهيات لعلم الأحياء أو علم الأعصاب؟

في القرن السابع عشر ومع الثورة العلمية ومع الفيلسوف بيكون بالتحديد، اُستخدام الاستقراء كأداة تمكننا من تعمم المعلومات. ولكن المعلومات التي تنتج من الاستقراء ليست كالمعلومات الناتجة من الاستنباط والتي يجب أن تكون صحيحة. المعلومات الناتجة عن الاستقراء هي معلومات قد تكون صحيحة، فهي ليست قطعياً صحيحة ولكن بنسبة عالية صحيحة. مثلاً لاحظنا مئة إبل ولم نجد لهن أجنحة، يمكننا القول أن الإبل لا تملك أجنحة. طبعاً من الممكن أن نكون مخطئين، من الممكن وجود إبل ذو طفرة معينة أعطته أجنحة. لذلك كما زاد عدد الملاحظات كلما زادت نسبة الصحة لتلك المعلومة. لذلك لا يمكن للاستقراء أن يُنتج معلومات تكون قطعياً صحيحة، لابد من وجود نسبة للخطأ.

نجاح الاستقراء نعيشه الآن، كل هذه الاكتشافات منذ القرن السابع عشر حدثت بسبب الاستقراء. المنهج العلمي مرتكز على الاستقراء لدرجة صُعب وجود أحدهما بدون الآخر. في الاستنباط المنطق هو الذي يحدد الحقائق، تطبيق أداة منطقية على المعلومة العامة يجب أن ينتج معلومة صحيحة. في الاستقراء الملاحظة هي التي تحدد الحقائق، عندما تختلف المعلومة عن ملاحظتنا فإذا يجب التعديل على تلك المعلومة لتتوافق مع الملاحظات.

المنهج العلمي

عندما نلاحظ كيف يتوصل العلماء لاكتشافاتهم يتبيَّن لنا نمط معين يستخدمه العلماء للوصول لتك الاكتشافات. على مدار تاريخ العلم ناقش الفلاسفة والعلماء منهجية الوصول إلى الحقيقة العلمية، وكانت نتيجة هذا النقاش الحاد هي المنهج العلمي. كل حضارات البشر أضافت على هذا النقاش، من الفراعنة إلى ارسطو ثم من ابن الهيثم إلى نيوتن. في برمجيات الحاسب، تزداد الثقة بالبرنامج بمرور الوقت بسبب أن مطوري البرنامج استطاعوا اكتشاف معظم الأخطاء والمشاكل وايجاد الحلول لها. وبالمثل، أستطاع العلماء والفلاسفة على مر التاريخ اكتشاف معظم الأخطاء التي يقع بها عقل الإنسان في بحثه عن الحقيقة ثم صقلوا منهج، باستخدامه نستطيع الوصول إلى الحقيقة بدون أي تحيز أو وقوع في الأخطاء.

دعني أشرح هذا المنهج باستخدام التنجيم والأبراج كمثال لخطواته. يجب أن لا نميل إلى نتيجة في تحققنا من أمر ما، فإذا أردنا أن نتحقق من صحة التنجيم علمياً يجب أن نأخذ بعين الاعتبار احتمال كونه صحيح أو كونه خاطئ. الاعتقاد بأن أمراً ما خاطئ ثم محاولة إثبات خطأه يجعلنا منحازين في اختباراتنا ويعرضنا إلى الانحياز التأكيدي.

الخطوة الأولى في هذا المنهج هي الملاحظة، نيوتن لاحظ سقوط التفاحة فأكتشف الجاذبية وقوانين الحركة الثلاثة. في تحققنا من التنجيم، الملاحظة هي التعرف على ادعائاته وقوانينه وطرقه. التنجيم يقسِّم الأشخاص إلى أبراج تدعي بأنها تفسر شخصية الفرد وتتنبأ بمستقبله بناءً على موقع الأجرام السماوية، الشمس والقمر وكواكب أخرى، وقت ولادته. فبرج الثور مثلاً يدعي أن مواليده يمتلكون حس موسيقي أكثر من مواليد الأبراج الأخرى، وأنهم الأفضل في رياضة رفع الأثقال والجري من غيرهم.

الخطوة الثانية هي تكوين فرضية قابلة للنفي تفسر هذه الملاحظة. المنهج العلمي لا يهتم إلا بالفرضيات القابلة للنفي؛ فبسبب مشكلة الاستقراء لا يمكننا أن نثبت وبشكل قطعي وجود ظاهرة من الأدلة الداعمة لها، لذلك يجب علينا البحث عن الأدلة التي تنفي تلك الظاهرة1. عندما نحاول إثبات أن كل طيور الإوز لونها أبيض، لن نستطيع أن نثبت وبقطيعة أنها كلها بيضاء مهما كان عدد الطيور البيضاء التي رأيناها، ولكن نستطيع أن نثبت عدم صحة هذه الفرضية عند ملاحظتنا لطائر أوز أسود واحد. في التنجيم نفترض أن مواليد برج الثور أفضل من غيرهم في الرياضية، وهذا الافتراض قابل للنفي.

الخطوة الثالثة هي توقع نتائج هذه الفرضية. نتوقع لو كان مواليد برج الثور أفضل في الرياضة من غيرهم، أن عددهم في قائمة أفضل ممارسي الرياضة سيكون أعلى من المتوسط.

الخطوة الرابعة هي الاختبار. يزداد احتمال كون الفرضية صحيحة إذا طابقت نتائج الاختبار النتائج المتوقعة، وتكون غير صحيحة عند عدم التطابق. توقعنا أن مواليد برج الثور سيكون عددهم أكثر من المتوسط ولذلك قمت بجلب تواريخ ميلاد كل أصحاب الميداليات الأولمبية في ألعاب القوى ثم قسمتهم على تواريخ الأبراج. هذه هي النتيجة2:

يمكنك ملاحظة أن مواليد برج الثور ليسوا أفضل من غيرهم، ولذلك نستنتج أن هذه الفرضية خاطئة. مع ذلك لا نستطيع استنتاج أن التنجيم خاطئ بسبب عدم صحة هذه الفرضية؛ ربما كان هناك بعض الصحة فيه ولنتأكد من ذلك يجب أن نطبق المنهج على أكثر من إدعاء ليزداد احتمال عدم صحته.

لاحظ أيضاً أن مواليد برج الثور في الرسم البياني هم أقل من حصل على الميداليات وأن مواليد برج الدلو الأكثر حصولاً عليها، استنتاج أن مواليد برج الثور الأسوأ في ممارسة الرياضة وأن مواليد برج الدلو الأفضل يوقعنا في خطأ منطقي شرحته في مقدمة المنطق (البحث عن معطيات تدعم استنتاج نريده). أيضاً لا نستطيع تبرير ملاحظة أن مواليد الثور هم الأسوأ أو أن مواليد برج الدلو هم الأفضل، أتت لنا هذه الفكرة بعد رؤيتنا للرسم البياني وهي على الأرجح صدفة كما هو الحال في كون مواليد برج الثور الأسوأ في هذا الرسم، ولكن التنجيم يدعي بأنهم هم الأفضل واستنتجنا عدم صحة هذا الادعاء.

ينشر العلماء اكتشافاتهم لعلماء آخرين ليتحققوا منها ويعيدوا تطبيق التجربة مرة أخرى لتفادي أي تحيز في الاكتشاف. عند التحقق من صحة عدد من الملاحظات التي تفسر فئة من الظواهر تتحول هذه النتائج إلى نظرية علمية. فالنظرية العلمية إذاً ليست إدعاء لم يتم التحقق منه كما هو شائع، فعندما أقول نظرية التطور3 أعني تلك الأدلة المبنية على ملاحظات تم التأكد من صحتها والتي تكون أقرب تفسير لظاهرة معينة. ولا يتم إثبات عدم صحة نظرية علمية بإثبات عدم صحة دليل واحد، هذا فقط يقلل من احتمال صحتها.

هناك تفاصيل كثيرة لكل خطوة في هذا المنهج والتي تحتاج إلى كتاب لشرحها، لذلك ألح عليك أن تبحث وتتعمق في هذا الموضوع. فكما توجد أدوات تساعد المعاقين على التغلب على إعاقاتهم، فالمنهج العلمي هو أداتنا للتغلب على إعاقاتنا في البحث عن الحقيقة.

  1. مشكلة الاستقراء تستحق مقالة خاصة بها ولا أريد الانحراف عن الموضوع والتكلم عنها بعمق، لذلك أكتفي بشرح قصير لها مع تقديم رابط المقالة على ويكيبيديا.

  2. لاحظ أن الرسم البياني يتبع المقياس اللوغارتمي، بمعنى أن الأعداد التي بين ٠ إلى ١٧٠ تبدوا صغيرة لأننا لا نهتم بها، نهتم بالفرق الواقع بين الأعداد ١٨٠ و ٢٢٠.

  3. اقرأ سلسلة المقالات الرائعة عن التطور لجهاد العمار.

الذكريات – الجزء الثاني

تكلمنا في المقال السابق عن ارتباط الدماغ بالذكريات، في هذا المقال سنتكلم عن الذكريات نفسها وسهولة تحريفها.

يكتب عالم النفس دانيل شاكتر «الذكرى تشبه أحجية الصورة المقطعة التي تتكون من عدة قطع لتشكل – إذا رُكبت بشكل صحيح – الصورة الكبيرة،» فمن الطبيعي للشخص أن «يركب قطع الذكريات والمشاعر معاً لتشكل قصة مترابطة». استرجاع الذكريات هي عملية ابتكارية، نعتقد أننا نسترجع الذكرى كما حدثت، ولكننا في الحقيقة نعيد إنشائها من عدة أجزاء. وبغض النظر عن تصورنا عنها إلا أنها مرنة، متغيرة، متداخلة، سهلة التبديل والفقدان.

الذكريات بطبيعتها تتلاشى مع الوقت، فكلما مضى الزمن على عدم تذكر ذكرى معينة كلما ازداد احتمال تحريفها أو فقدانها. ربما هذا هو السبب الرئيسي لنسياننا معظم ذكريات الطفولة؛ فمن النادر أن يتذكر الأطفال أحداث ما قبل السنة الثالثة لعدم امتلاكهم قدرة استرجاع الذكريات أو مشاركتها، مما يساعد على تلاشي هذه الذكريات واختفائها. حتى تكرار الاسترجاع والمشاركة لا يضمن بقاء الذكرى على شكلها الأصلي؛ فعندما نسترجع الذكرى نركز على جوانب ونهمل جوانب أخرى، وتدريجياً تحل هذه الذكرى المعدلة مكان الذكرى الأصلية. لا يمكن لعملية استرجاع أن تكون مثل العملية السابقة، فكلما استرجعنا الذكرى كلما زاد تشويهها. عالم النفس فريدرك بارليت هو أول من وضح هذه النقطة في أحد كتبه «بعض المعتقدات المنتشرة يجب أن تنبذ كلياً، وأهمها هو الاعتقاد بأن استرجاع الذكريات هو إثارة لأحداث ثابتة غير متغيرة». على العكس، يعتقد أن الاسترجاع هو «إعادة الإنشاء بناءاً على شعورنا وموقفنا تجاه جميع تجاربنا السابقة».

عادةً ما تتلوث الذكريات بالمعلومات الجديدة المتكسبة بعد حصول الحدث، معلومات اُكتسبت من إيحاءات أو حقائق ثم دُمجت من غير أن نشعر مع الذكريات الأصلية. تُكوّن هذه المعلومات والذكريات قصة كاملة لا يمكن فصلها إلى مكوناتها الحقيقية وغير الحقيقية. في كتابها شرحت العالمة إليزبث لوفوس تجربة قامت بها: يُعرض على الخاضعون لهذه التجربة مشهد عن سرقة لبنك، وبعدها يُعرض الموجز الأخبار الذي يتحدث عن السرقة بتفاصيل خاطئة. كثير من الخاضعون دمج هذه التفاصيل الخاطئة مع ذكرياتهم عن المشهد ورفضوا بقوة احتمال كونهم مخطئين. قامت العالمة بمئات التجارب المشابهة على آلاف الأشخاص موضحتاً أن المعلومات المكتسبة بعد الحدث تؤثر على الذكريات.

تؤثر المشاعر على الذكريات عند حدوثها أو استرجاعها. فما نشعر به عندما نسترجع ذكرى قد يعيد تشكيلها ومزجها بمشاعرنا الحالية حتى وإن لم تكن هذه المشاعر مرتبطة بالذكرى الأصلية. قوة المشاعر المصاحبة للذكريات لا يجعل الذكرى صحيحة، بل يجعلها تبدو لنا بأنها صحيحة. يُعتقد بأن الذكريات المصاحبة لمشاعر حادة، مثل فقدان شخص عزيز أو حدث قومي كتفجير مركز التجارة العالمي، أكثر دقة وصحة من الذكريات الأخرى، ولكن في الحقيقة قوة المشاعر لهذه الذكريات تزيد من ثقتنا بها. بعد انفجار المركبة الفضائية شالنجر بيوم سأل عالم النفس أولريك نيسير طلابه بأن يجيبوا على استفسار يتضمن أسئلة عن الحادثة، مثل أين كان الطالب في وقت الحادثة، كيف سمع بالخبر، من أخبره، وعلى هذا النحو. بعد ثلاث سنوات قدم لهم نفس الاستفسار ووجد أن ٢٥٪ منهم أخطئوا بكل التفاصيل المهمة. لم يتذكر الحادثة بشكل صحيح إلا ١٠٪ من الطلاب! علاوة على ذلك، اكتشف أن الثقة بالذكرى لا ترتبط بصحتها؛ ثقة من تذكر الحادثة بشكل خاطئ من الطلاب لم تتدنى بل كانت نفس ثقة من تذكر الحادثة بشكل صحيح.

نستدل من هذه التجارب أن الذكريات ليست كشريط يسجل الأحداث سابقة، بل هي إعادة إنشاء ماضي مصفى ومرشح. تُسجَّل عدة حقائق ثم يضاف عليها التفاصيل التي نلاحظها ونريدها. مفيدةُُ لنا في معظم الحالات ولكنها أكثر مرونة من ما نعتقد. في أغلب الأحيان، الذكريات لا تصنع القصص بل القصص تصنع الذكريات.

الذكريات – الجزء الأول

بدون الذكريات لا يمكننا أن نقوم بمتطلبات الحياة اليومية؛ بدونها لا نستطيع أن نتعلم، نخطط، نحب، نتكلم، نُسمي أنفسنا إنسان. نستخدم التجارب السابقة عندما تصادفنا مشكلة، نستخدم الذكريات لتفادي الأضرار، نستخدم الذكريات لنفرق بين الصديق والعدو، نستخدم الذكريات في محاكمنا لنشهد بذنب المتهم أو براءته.

حجم اعتمادنا على الذكريات لا يمكن وصفه، ولكن لنقف لحظة ونتساءل عن دقة الذكريات. يسهل علينا تشبيه العقل بذاكرة الحاسب الآلي؛ فالعقل يحفظ كل مدخلات الحواس الخمس ويسترجعها لاحقاً عند الحاجة. مثالياً هذا التشبيه صحيح، وقد أستخدمه لشرح كيفية عمل الذكريات لمن لا يملك هذه القدرة، لكن في التطبيق هذا التشبيه خاطئ في كلا العمليتين، الحفظ والاسترجاع.

لنبدأ من العين، فهناك منطقة عمياء في العين تقع في نقطة تلاقي العصب البصري (ناقل الإشارات البصرية إلى الدماغ) مع شبكية العين. قد تعتقد بصغر حجم هذه المنطقة العمياء لذلك لا تلاحظها، ولكنها تمثل تقريباً ٢٪ من كل ما تراه العين. أنظر إلى هذه الصورة:

أغلق عينك اليسار وركز نظرك على علامة الزائد ولاحظ الدائرة (بدون تركيز النظر عليها)، ثم اقترب إلى الشاشة حتى تختفي الدائرة. لا نلاحظ هذه المنطقة بسبب امتلاكنا لعينين، فبإمكان العين اليمنى رؤية ما لا تستطيع العين اليسرى رؤيته. ولكن لحظة، عندما تختفي الدائرة في الصورة السابقة نجد بأنها اُستبدلت باللون الأبيض (والاستبدال ليس خاص باللون الأبيض فقط، تجد هنا نفس الاختبار ولكن بخلفية سوداء)، مما يعني أن العقل، مثل برامج الرسومات لدى الحاسب الآلي، ينسخ ويُلصق ما حول هذه النقطة. أو بمعنى آخر، عقولنا تغدعنا.

قد تعتقد بمقدرة عقولنا ملاحظة كل معلومات الحواس الخمس، وهذا أيضاً خاطئ، فهناك دراسات عديدة بينت لنا محدودية قدرتنا على معالجة المعلومات، فلا نستطيع إنجاز أكثر من مهمة بنفس الوقت. شاهد هذا المقطع، أو حاول حساب عدد مرات تمرير الكرة في هذا المقطع.

كما يملأ العقل المناطق العمياء في البصر بغير إدراكنا، أيضاً يملأ المناطق العمياء في الذكريات. كم من القصص التي يرويها أصدقائنا أو آبائنا عنا والتي لا نتذكر منها شيئاً، وكأنها حُذفت من ذكرياتنا، أو نتذكر حدوثها بشكل مختلف كلياً. ومع ذلك، نستطيع أن نتذكر حياتنا كأنها قطعة متواصلة، نعرف من نحن، نعرف لماذا شخصياتنا بهذا الشكل، نستطيع أن نرى الصورة الكبرى لحياتنا مع افتقادنا لبعض الأجزاء، ولكن هذه صورة كاذبة، اختلقتها أعقلنا لتعطينا حس التواصل.

يجب التطرق إلى عمليات الجراحة لنفهم كيف تغدعنا عقولنا، ففي بعض حالات الصرع الشديدة يجب على المريض أن يخضع إلى عملية جراحية لقطع جسر الأعصاب الذي يربط نصفي الدماغ، هذا الجسر ليس هو الرابط الوحيد بين النصفين، ولكن هو الأكبر والأكثر نشاطاً.المريض الذي خضع لهذه العملية قد يبدو طبيعياً من الخارج، فيمكنه استئناف حياته وعمله والقيام بدوره في المجتمع كأي شخص آخر، ولفترة ساد الاعتقاد بعدم اعتماد وظائف العقل على هذا الجسر، ولكن عندما أُجريت الدراسات على هؤلاء المرضى اتضحت الاختلافات.

لنتعرف على تركيبة الدماغ أولاً، الدماغ منقسم إلى نصفين وبرغم اشتراكهما في وظائف عدة، إلا أن هناك وظائف معينة لا يقوم بها إلا واحد منهما. فالجزء الأيسر يؤدي وظيفة الكلام مثلاً، وأيضاً يتحكم بالجزء الأيمن من جسم الإنسان، مثل اليد والساق والإحساس ومجال الرؤية الأيمن (لا تخلط مجال الرؤية مع العين)، والمثل للنصف الأيمن للدماغ مع النصف الأيسر للجسم. في الشخص الطبيعي، يتم تبادل المعلومات بين نصفي الدماغ بواسطة جسر الأعصاب.

أُجريت الدراسة كالآتي، يُطلب من المريض بأن يجلس أمام شاشة وتركيز بصره على نقطة في منتصف الشاشة. تظهر صور وكلمات لوهلة قصيرة إما في الجزء الأيسر أو الأيمن من مجال نظر المريض، بعدها يُسأل المريض عن ما رآه أو يطلب منه برسمه. عندما تظهر صورة شجرة، مثلاً، في الجزء الأيمن في مجال رؤية المريض ويُسل عن ما رأى، يجيب بأنه رأى شجرة. ولكن تبدأ الغرابة عندما تظهر الشجرة في الجزء الأيسر لمجال رؤيته ويجيب بأنه لم يرى شيئاً، وعندما يُطلب منه برسم ما رآه بيده اليسرى يرسم شجرة. مما يشير إلى وجود اختلاف بين معلومات كل من نصفي الدماغ، وكأن المريض يملك عقلين مختلفين؛ فلو عرضت له صورتين مختلفتين وكانت إحداهما في مجال الرؤية الأيمن والأخرى في الأيسر، وطلبت من المريض بوصف ورسم ما رآه لوجدت إجابتين مختلفتين تماماً!

الأغرب من ذلك هو عندما يُسأل المريض عن سبب رسمه لهذا الشكل. النصف الأيسر من الدماغ (المسئول عن الكلام) لا يدري لماذا، ولكن يبدأ المريض باختلاق تفسيرات لسبب رسمه لهذا الشكل مع الإيمان التام بمصداقية هذه التفسيرات. عُرض على أحد المرضى مقطع يحتوي على مشاهد عنف في مجال بصره الأيسر، جاوب المريض بأنه يشعر بالقلق والاضطراب، وألقى اللوم على طريقة تصميم الغرفة بعد سؤاله عن سبب قلقه. من المهم فهم أن المريض لم يكذب في تفسيراته، فهو فعلاً يعتقد بأن هذه التفسيرات هي سبب أفعاله.

هذه الظاهرة لا تحدث فقط لمن لا يملك جسر الأعصاب، تحدث أيضاً في بعض حالات اضطراب الدماغ الشديدة، مصابي متلازمة كورساكوف يعانون من فقدانهم للذكريات الحديثة ولكن يستطيعون تذكر ماضيهم، يختلقون قصص لتستبدل ذكرياتهم الحديثة ويصدقونها، فلو سألت أحد المصابين أين كان في الأيام الماضية سيجيب بأنه كان يعمل في المستشفى، ولكن في الحقيقة هو مريض بالمستشفى. مصابي مرض Anosognosia (لم استطع إيجاد المصطلح العربي) يعانون من شلل ولكن لا يعترفون بهذا الشلل، فلو طُلب من مريض مصاب بشلل في يده بتحريكها، يجيب بأنه لا يريد تحريكها لأنه يعاني من ألم في كتفه.

تذكر بأن أدمغة هؤلاء المرضى هي نفس أدمغتنا، ولتعطل جزء معين من أدمغتهم تضخمت لديهم هذه الأعراض. لكنها أيضاً تحدث لنا بشكل أصغر وأصعب للملاحظة بين حين وآخر. نميل إلى اختلاق قصص خيالية لتفسر ما نفعله، دائماً نفسر لأنفسنا دوافع أعمالنا، ونختلق هذه التفسيرات عند عدم امتلاكنا للإجابة. مع مرور الوقت تصبح هذه التفسيرات مفهومنا عن أنفسنا، تصبح شخصياتنا، تصبح نحن.

الانحياز التأكيدي

عندما تقرر شراء سيارة من نوع معين تبدأ بملاحظتها في الشوارع بكثرة، عندما تكون زوجتك حامل تبدأ بمشاهدة الأطفال في كل مكان، عند شرائك لهاتف جديد تبدأ بملاحظة من يملك مثل هذا الهاتف. تسمى هذه الظاهرة بالخداع التكراري، وهذه الظاهرة ليست مؤذية بحد ذاتها، ولكن عندما تعتقد أن سببها آخر وليست مجرد ميل عقولنا إلى ملاحظة الأشياء التي نهتم بها، عندها تتعرض للانحياز التأكيدي.

الموسوعة الحرة تعرّف الانحياز التأكيدي بأنه ميل الشخص إلى تفضيل المعلومات التي تؤيد معتقداته أو افتراضاته. كلما ازدادت المعلومات التي تؤيد معتقد الشخص كلما ازداد تمسك الشخص بهذا المعتقد، فبعض المعتقدات قد تصل لدرجة كونها جزء من شخصيته ولذلك يبتعد عن أي معلومات تخالف هذا المعتقد، فلا يستطيع هذا الشخص أن يتخلص من هذا المعتقد بدون أي أضرار لشخصيته.

يسهل علينا قبول المعلومات التي تؤيد رأينا فنصيغ أسئلتنا لتؤيد معتقداتنا، فعند محاولتنا لمعرفة ما إذا كان الرقم ٣ زوجي نختار السؤال «هل الرقم ٣ زوجي» ولا نختار السؤال «هل الرقم ٣ فردي» مع أن جواب كلا السؤالين هو نفسه. يطلق على السؤال الأول بالاختبار الإيجابي والثاني بالاختبار السلبي، فالهدف من الاختبار الإيجابي هو البحث عن ما يثبت افتراضنا ولكن في الاختبار السلبي نبحث عن ما ينفي افتراضنا.

أمور الحياة ليست بسهولة معرفة ما إذا كان الرقم ٣ فردي أم زوجي، فهي معقدة وفيها آراء متناقضة، فعندما نصيغ سؤالنا كاختبار سلبي نبحث عن كل الإجابات التي تنفي سؤالنا وهذا ما يفعله العلماء في اختباراتهم الصارمة، ولكن عند صياغتنا لسؤالنا ليكون اختبار إيجابي نكتفي بإيجاد إجابة واحد تدعم هذا السؤال وإن لم نجدها سنبحث بشكل أعمق حتى نجد هذه الإجابة وفي النهاية سنجدها.

من الطرق المشهورة لتدريس الانحياز التأكيدي هو عرض الأعداد ٢، ٤، ٦ ومن ثم يُسأل الطلاب، هل تستطيع إيجاد نمط لهذه الأعداد (نمط من خلاله نستطيع أن نتنبأ بالأعداد الأخرى في هذه السلسلة)؟ للتأكُد من أجوبتهم يجب عليهم تقديم ثلاثة أعداد في السلسلة ومن ثم سؤال المدرس ما إذا كانت هذه الأعداد تنتمي للسلسلة، ويجيب المدرس بنعم أو بلا. معظم الأعداد التي قدمها الطلاب تتضمن الشكل ١٠، ١٢، ١٤ أو ٢٢، ٢٤، ٢٦ ويجيب الأستاذ بنعم على كل هذه الأسئلة، وعند تقديم الإجابات معظم الطلاب فشل في كشف هذا النمط.

لاكتشاف النمط كل ما على الطالب أن يسأل هل الأعداد ٢، ٢، ٢ أو ٩، ٨، ٧ من السلسلة؟ وسوف يجيب الأستاذ بأنها لا تنتمي إلى السلسلة. بعد عدد من الأسئلة التي تناقض ما يعتقده الطالب بأنه نمط السلسلة سوف يكتشف النمط بأنها أعداد متصاعدة والفرق بينهما هو اثنان.

تبين هذه الطريقة بأننا نكون افتراضاتنا ومن ثم نحاول أن نثبت صحتها بدلاً من أن نثبت خطأها. تبين أيضاً الفرق بين الاختبار الإيجابي والاختبار السلبي، فمعظم الاختبارات الإيجابية لا تعطينا معلومات جديدة عن ما نريد أن نكتشفه، ولكن الاختبار السلبي يقدم لنا معلومات جديدة تزيل الاحتمالات واحداً تلو آخر حتى لا يتبقى إلا احتمال واحد.

في دراسة لجامعة مينيسوتا عام ١٩٧٩ قام عالِمين بتقديم نبذة عن حياة امرأة قامت بأعمال إنطوائية وأعمال أخرى منفتحة لمجموعة من الناس، ثم طُلب منهم أن ينصرفوا ويعودوا بعد أيام، عندما عادوا قسّموهم إلى مجموعتين ثم سُئلوا عن الوظيفة التي تناسب هذه المرأة، ولكن سألوا المجموعة الأولى هل تناسبها وظيفة أمين مكتبة (وظيفة بالعادة إنطوائية لا تحتاج إلى الاحتكاك بالناس) وسألوا المجموعة الثانية هل تناسبها وظيفة بائع عقار (وظيفة تحتاج إلى الكثير من الانفتاح والاحتكاك بالناس) –لاحظ عدم سؤال كلا المجموعتين عن الوظيفة الأخرى–. تذكر أعضاء مجموعة أمين المكتبة أعمال المرأة الإنطوائية ولذلك قرروا بأن هذه الوظيفة مناسبة لها، وفي مجموعة بائع العقار تذكر أعضائها أعمالها المنفتحة وقرروا أن وظيفة بائع عقار تناسبها. عند سؤال كلا المجموعتين ما إذا كانت الوظيفة الأخرى أيضاً تناسبها، تمسكوا برأيهم وقالوا أن الوظيفة الأخرى لا تناسبها.

تشير الدراسة إلى أن حتى الذكريات تتعرض للانحياز التأكيدي، فالشخص يتذكر ما كان يؤيد رأيه وينسى ما كان يناقضه، فحتى لو درسنا موضوع ما بحيادية تامة قد لا نتذكر إلا ما يؤيد رأينا وننسى هذه الحيادية. في الحقيقة، تعتبر الذكريات من أقل الأدلة اعتماداً، ولكن هذا لموضوع آخر.

من الأمثلة على الانحياز التأكيدي هو اختبارات الشخصية، فعندما تختبر شخصيتك وتحصل على تقييم شخصيتك وتقرأ «أنت شخص ذكي» تتفق مع هذا الوصف لأنك لا تتذكر إلا الذكريات التي قلت فيها شيئاً ذكياً ولا تتذكر كل الأوقات التي لم تكن فيها ذكياً، أو عندما تقرأ «أنت شخص عاطفي» تتذكر علاقاتك العاطفية وتنسى العلاقات الأخرى. أيضاً بدون الانحياز التأكيدي تتلاشى كل المؤامرات، هل تبحث لسبب يثبت عدم ذهاب الإنسان إلى القمر؟ ستجده، هل تبحث لسبب يثبت أن هناك قوه غامضة تتحكم بدول العالم لأسباب خبيثة؟ ستجده، هل تبحث لسبب يثبت أن أمريكا هي من فجرت بمركز التجارة العالمي؟ ستجده. ومثال آخر من سوق الأسهم، عندما يرتفع سهمٌ ما ويستثمر فيه الكثيرون ويرتفع أكثر بسبب إقبال الكثير عليه ومن ثم يصل إلى أقصى حد لارتفاعه ويبدأ بالهبوط، تجد من أستثمر بهذا السهم بمبالغ كثيرة يكابرون بأن السهم سوف يرتفع مرةً أخرى، وعندما يهبط السهم أكثر يبدؤون بالبحث عن الخبير الذي يؤيد أرائهم، ومن ثم يستمرون بالتمسك بهذا السهم، بل يزداد تمسكهم بسبب قراءتهم لأراء هذا «الخبير» الذي نصحهم بعدم البيع، وفي النهاية تجدهم قد خسروا كل أموالهم.

نصف قرن من الدراسات أثبتت أن الانحياز التأكيدي هو من أسهل الفِخاخ التي تقع فيها عقولنا. في العلوم، تقترب للحقيقة عندما تبحث عن أدلة تنفي افتراضاتك، لماذا لا تستخدم هذه الطريقة في تبني أرائك.

الاستسقاط

استيقظت في الصباح، المنبه لم يوقظك والآن أنت متأخر عن العمل، تسرع للباس ثوبك وتجد أن شماغك لم يُكوى، تقرر بعدم لبس الشماغ هذا اليوم وتخرج إلى الخارج لتجد أنها تمطر، تذهب إلى سيارتك وعند محاولة فتحها تدرك أنك نسيت المفتاح في البيت، وإذا بسيارة مسرعة مارة على تجمُع مياه قريباً منك وترشقك بالماء، تهرع إلى البيت لتغير ملابسك وتجد المفتاح، وعلى هذا كله تعود وتركب سيارتك وتجدها لا تعمل. هناك تفسيران لهذا الموقف، إما أنها مجموعة من الأشياء المزعجة والتي حصلت في وقت قصير، أو أن هناك قوة خارجة عن الطبيعة متآمرة ضدك في هذا اليوم. يطلق على التفسير الثاني الاستسقاط، فهو رؤية نمط أو علاقة في بيانات عشوائية رغم عدم وجود هذه العلاقة في الحقيقة.

عقولنا مقومة على اكتشاف الأنماط في كمية المعلومات الهائلة التي تنهمر عليها من الحواس الخمس لدى الإنسان، فبدون هذه المقدرة لا نستطيع استنتاج العلاقات المهمة التي تساعدنا في البقاء على قيد الحياة؛ عند ملاحظتنا لشخص آخر يدخل يده في النار ثم يتألم من احتراق جلده، نستنج أن النار تحرق الأشياء ولا نحتاج إلى إدخال أيدينا في النار لتأكيد هذا الاستنتاج. بسبب فعالية هذه القدرة على اكتشاف الأنماط وحتى التافهة منها فقد نكتشف أنماطاً غير حقيقية مما قد تؤدي إلى خداع أنفسنا والإيمان بوجود هذه الأنماط، مثل الإيمان بالمؤامرات أو سماع كلام عند تشغيل مقطع صوتي بشكل عكسي.

الاستسقاط البصري (الباريدوليا، لكن أفضل مصطلح الاستسقاط البصري) هو رؤية أشكال وهمية في الأشياء، مثل الوجوه في السحب أو على رؤوس الجبال. في الواقع، لا نحتاج إلى الكثير لرؤية الوجوه، نقطتان و خط منحني تحتهما يجعلنا نرى وجهاً مبتسماً. يساعدنا الاستسقاط البصري على التعرف من بعد على أهلنا، وأصدقائنا، وأعدائنا في أسوء البيئات رؤيةً. هذه بعض الصور التي توضح الاستسقاط البصري1:

لكن عند استخدام الاستسقاط كإثبات لشيء ما، أو كونه معجزات إلهية، عندها يجب أن نقف ضد هذه الاستخدامات، مثلاً:

  • خبر نُشر في صحيفة سبق الإلكترونية بعنوان: “لفظ الجلالة على باطن حذاء بمركز تجاري مشهور”، وتطالب الصحيفة بتدخل من الحكومة لإيقاف هذه الأحذية والتدقيق على كل ما يُستورد بحثاً عن أشكالٍ قد تبدو لشخص ما أنها أشكال “تخدش الدين والحياء”.
  • عندما يجتمع الإيمان بالمؤامرات مع الاستسقاط البصري ينتج شيء شبيه بعلي بقنة.
  • عند رؤية ما يشبه اسم الله تعالى على الحيوانات أو الفواكه ومن ثم الإدعاء بأن فيها بركة وقد تشفي المريض. وماذا عن الديانات الآخرى؟ مثل هذه الظاهرة تحدث أيضاً في المسيحية (كل خطين متقاطعين يشكلا صليب)، بل هي تحدث في كل الأديان.

كثرة التصديق في هذه الأمور تجعلنا ضحية لكل من أراد أن يستغل هذا الظاهرة لأغراض مالية كانت أو أغراض أخرى خبيثة.

  1. انقر على الصورة للذهاب للمصدر. تجد المزيد من الصور هنا، وهنا، وهنا.

الخُرافات

في البداية دعني أعرّف بماذا أقصد بكلمة الخُرافة، الخُرافة هي الإيمان بأن حدوث حدث ما يسبب حدوث حدث آخر بدون أي مسببات مادية تربطهما. حسناً، لنتحدث عن الحمام. في عام ١٩٤٨ قام عالم النفس سكينر بعمل تجربة مشهورة على الحمام، فقام بتجويع الحمام ثم وضعهن في قفص مخصص للاختبار كل يوم لعدة دقائق، في أحد أطراف القفص توجد نافدة تنفتح تلقائيا بعد فترة زمينة معينة لتأكل الحمام من خلالها لمدة خمس ثوان.

عند ملاحظة الحمام، وجد أن ثمانية من العشر حمامات تتصرف تصرفات غريبة، فحمامة من الحمامات تدور على نفسها حتى تنفتح النافذة لتأكل، ثم بعد إغلاق النافذة تكمل دورانها، وحمامة أخرى تحرك رأسها للأعلى والأسفل بشكل متكرر، وأخرى بدأت بتحريك رأسها بشكل دائري بحيث تمد رأسها إلى الأمام ومن ثم تحركه من اليمين إلى اليسار بسرعة ومن ثم ببطء في رجوع الرأس إلى الأمام. ولاحظ أيضاً أن هذه التصرفات لا تحدث عند فتح نافذة الطعام أو عندما تُنقل الحمامة إلى قفصها العادي.

فعلل بأن هذه التصرفات مرتبطة بانفتاح نافذة الطعام، فالحمامة تكرر ماكانت تفعله عند انفتاح النافذ للمرة الأولى، وعند تقليل الفترة الزمنية لفتح النافذة تزداد هذه التصرفات وعند زيادة هذه الفترة تقل التصرفات.

فسّر العالم أن هذه التصرفات هي محاولة من الحمام للتأثير على عملية الفتح والإغلاق، أو بمعنى آخر، أن الحمام ربط فتح نافذة الطعام بما كانت تفعله في ذلك الوقت بدون أي مسببات مادية تربط هذه العلاقة، وهذا هو تعريف الخُرافة.

لربما تتساءل الآن ما علاقة كل هذا بالبشر أو المنطق؟ وهذا سؤال جيد، تبدأ الخُرافة لدى الفرد عند محاولته تفسير ظواهر غريبة عليه مع عدم استطاعته إيجاد تفسيرات علمية ومنطقية لتلك الظواهر. أدعوك عزيزي القارئ إلى التفكير بهذه الأمور:

  • التبرك بأشياء معينة لـ”جلب” الحظ، والاعتقاد بأن شخص ما محظوظ أو غير محظوظ.
  • الاعتقاد بأن أفكار الشخص تؤثر على بيئته المحيطة، والاعتقاد بأن الشخص الإيجابي تحدث له أشياء إيجابية وأن الشخص السلبي تحدث له أشياء سلبية (كتاب السر).
  • الاعتقاد بأن موقع الكواكب عند ولادة الإنسان تؤثر على شخصيته ومستقبله (التنجيم والأبراج).
  • الاعتقاد بأن هناك أرقام مشؤومة (الرقم ١٣ عند الغرب).
  • إلصاق العروسة قطعة من الطين على بيتها الجديد، فإذا التصقت كان فألاً حسنا (في الشام).
  • الاعتقاد بأن الخرزة الزرقاء تبعد الحسد.

ولكيفية ارتباط هذا الموضوع بالمنطق، كل هذه الخُرافات تشترك في مغالطة حدث بعده، إذاً هو سببه.

عندما تكتشف رابط بين حدثين أرجو أن تتوقف وتفكر قليلاً سائلاً نفسك: هل أنا أرتكب مغالطة منطقية؟

البداية

لكل شيء بداية، والبداية بشكل عام ليست مهمة بقدر أهمية الطريق الذي تأخذنا إليه البداية. معظم الجامعات تقدم دروس في التفكير النقدي، بل هذه الدروس تعتبر إلزامية لأي طالب في تخصص علمي، فبدون التفكير النقدي لا نستطيع أن نكتشف الحقائق بموضوعية. استخدمت كلمة “معظم” بسبب أن جامعاتنا لا تقدم أي دروس في هذا الموضوع.

بدأت هذه المدونة لهذا السبب، أريد سد الثغرات في تعليمنا، ومع ثقتي بسوء محاولتي في هذه المدونة إلا أنني أعتقد أنها أفضل من لا شيء. المحتوى العربي في الإنترنت سيء جداً، فما بالك عندما تبحث عن موضوع لا يُعطى له قدره من الأهمية مثل المنطق والتفكير النقدي؟ أيضاً من أسباب بدايتي لهذه المدونة هو أن أتعلم المنطق والتفكير النقدي، فأفضل طريقة لتعلم شيء ما هو أن تدرسه لشخص آخر.

أيضاً أُدرك مدى صِغر حجم تأثير هذه المدونة على المجتمع، فلا أستطيع أن أُعلّم أو أُغيّر من لا يريد التعلم والتغيُر، ولكن أؤمن بوجود على الأقل عشرة أشخاص يبحثون في الإنترنت عن مثل هذه المواضيع، وإذا استطعت التأثير على جزء من هؤلاء العشرة فقد أتممت مهمتي بنجاح. فالتغير في المجتمع لا يحدث ببساطة وسرعة، فإذا استطعت التأثير على أحدهم سوف يؤثر هو أيضاً على أصدقائه أو أهله أو أولاده. يداً بيد سوف نستطيع أن نتغير يوماً من الأيام.